الشيخ محمد رشيد رضا
225
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومن دون هؤلاء أفراد آخرون قد يكون لهم من سلامة الفطرة ، أو معالجة النفس بأنواع من الرياضة ، أو من طروء مرض يصرف قوى النفس عن الاهتمام بشهوات الجسد ، أو من سلطان إرادة قوية على إرادة ضعيفة ، تصرفها عن حسها ، وتوجه قواها النفسية إلى ما شاءت أن تدركه لقوتها الخاصة بها - قد يكون لهؤلاء الافراد في بعض الأحوال من قوة الروح ما يلمحون به بعض الأشياء أو الاشخاص البعيدة عنهم ، وتتمثل لهم بعض الأمور قبل وقوعها مرتسمة في خيالهم ، فيخبرون بها فتقع كما أخبروا الخوارق الحقيقية والصورية عند الأمم ان الأمور التي تأتي في الظاهر على غير السنن المعروفة ، أو الخارقة للعادات المألوفة ، منقولة عن جميع الأمم في جميع العصور نقلا متواترا في جنسه دون افراد وقائعه ، وليست كلها خوارق حقيقية ، فان منها ما له أسباب مجهولة للجمهور ، وان منها لما هو صناعي يستفاد بتعليم خاص ، وان منها لما هو من خصائص قوى النفس وتأثير أقوياء الاراذة في ضعفائها ، ويدخل في هذين المكاشفة في بعض الأمور والتنويم المغناطيسي ، وشفاء بعض المرضى ولا سيما المصابين بالأمراض العصبية التي يؤثر فيها الاعتقاد والوهم ، ومنها بعض أنواع العمى والفالج ، فان من الناس من يفقد بصره بمرض يطرأ على أعصاب عينيه وهما صحيحتان تلمعان في وجهه ، أو يغشاهما بياض عارض مع بقاء طبقاتهما صحيحة ، وليس منه الكمه والعمى الذي يقع بطمس العينين وغؤورهما كالذي أبرأه المسيح عليه السّلام باذن اللّه تعالى . وقد بينا هذه الأنواع من الخوارق الصورية في بحث السحر من تفسير سورة الأعراف « 1 » وفي المقالات التي عقدناها للكرامات وأنواعها وتعليلها في المجلد الثاني من المنار وأتممناها في المجلد السادس منه إن عوام الشعوب الذين يجهلون تواريخ الأمم وما وجد عند كل منها من هذه الغرائب وما كشفه العلماء من حيل فيها وعلل يغترون بما عندهم منها ، ويخضعون
--> ( 1 ) راجع ص 45 - 60 ج 9 من تفسير المنار